السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

385

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وبطل نوع الاتصال الوجودي الذي هو مناط الشعور والعلم ، وانقطع عن مخلوقاته فلا يعلم بشيء كما لا يعلم به شيء ، ولا يبصر شيئا كما لا يبصره شيء فأجاب تعالى عنه بقوله : « وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ » ثم علل هذه الدعوى بقوله : « وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » واللطيف هو الرقيق النافذ في الشيء ، والخبير من له الخبرة ، فإذا كان تعالى محيطا بكل شيء بحقيقة معنى الإحاطة كان شاهدا على كل شيء لا يفقده ظاهر شيء من الأشياء ولا باطنه ، وهو مع ذلك ذو علم وخبرة كان عالما بظواهر الأشياء وبواطنها من غير أن يشغله شيء عن شيء أو يحتجب عنه شيء بشيء فهو تعالى يدرك البصر المبصر معا ، والبصر لا يدرك إلا المبصر . وقد نسب إدراكه إلى نفس الأبصار دون أولى الأبصار لأن الإدراك الموجود فيه تعالى ليس من قبيل إدراكاتنا الحسية حتى يتعلق بظواهر الأشياء من أعراضها كالبصر مثلا الذي يتعلق بالأضواء والألوان ويدرك به القرب والبعد والعظم والصغر والحركة والسكون بنحو بل الأعراض وموضوعاتها بظواهرها وبواطنها حاضرة عنده مكشوفة له غير محجوبة عنه ولا غائبة فهو تعالى يجد الأبصار بحقائقها وما عندها وليست تناله . ففي الآيتين من سطح البيان وسهولة الطريق وإيجاز القول ما يحير اللب وهما مع ذلك تهديان المتدبر فيهما إلى أسرار دونها أستار « 1 » . قوله تعالى : قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها الخ ؛ قال في المجمع : البصيرة البينة والدلالة التي يبصر بها الشيء على ما هو به والبصائر جمعها انتهى . وقيل : البصيرة للقلب كالبصر للعين ، والأصل في الباب على أي حال هو الإدراك بحاسة البصر الذي يعد أقوى الإدراكات ، ونيلا من خارج الشيء المشهود ، والإصار والعمى في الآية هو العلم والجهل أو الإيمان والكفر توسعا .

--> ( 1 ) . الانعام 91 - 105 : كلام في عموم الخلقة وانبساطها على كل شيء .